اخبار عربية
الهابطون على المشهد فجاة

ولئك الذين يهبطون على المشهد فجأة، كأنهم وُلدوا من صمت اللحظة، فينصّبون أنفسهم أوصياء على الوطن، ومتحدثين باسمه، دون تفويضٍ من شعبٍ أو عهدٍ من تاريخ. يرفعون أصواتهم عاليًا، لا لأنهم يحملون الحق، بل لأن الضجيج هو وسيلتهم الوحيدة ليُسمَعوا.
يظهرون في المواسم فقط؛ عند اشتداد الأحداث، أو حين تلوح الفرص، فيرتدون عباءة الوطنية كما تُرتدى الأقنعة، ثم ما يلبثون أن يختفوا مع أول انحسارٍ للضوء. لا يعرفهم الوطن في أيامه العادية، ولا يجدهم حين يحتاج إلى العمل الصادق، لأن حضورهم مشروطٌ بالظهور، لا بالعطاء.
هؤلاء لا يمثلون إلا أنفسهم، وإن ادّعوا غير ذلك. فالوطن لا يُختصر في صوتٍ عابر، ولا يُختزل في خطابٍ موسمي. الوطن أعمق من أن يتحدث باسمه من لم يحمل همّه في صمت الأيام، ومن لم يثبت صدقه في مواقف الفعل لا القول.
إن أخطر ما فيهم أنهم يخلطون بين حب الوطن واحتكار الحديث باسمه، وبين الغيرة عليه وادّعاء تمثيله. بينما الحقيقة أن الوطن أكبر من الجميع، وأن صوته الحقيقي يُصاغ من ضمير أبنائه المخلصين، لا من صدى الباحثين عن أضواءٍ زائفة.
فدعوا الوطن لأهله الصادقين، لأولئك الذين لا يتحدثون كثيرًا، لكنهم يفعلون كثيرًا؛ الذين لا يظهرون في المواسم، بل يثبتون في كل الفصول. هؤلاء وحدهم من يستحقون أن يُصغى إليهم، لأنهم لم يجعلوا من الوطن منصةً، بل جعلوه قضيةً ووفاء.



